هل سيعود الدبّ الروسي إلى كروم منطقتنا ثانية ؟!.

نـوري بـريـمــو

سبق لهذه الدولة الكبرى في النصف الثاني من القرن الماضي، وخاصة بالفترة الإنتقالية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية التي وضعت حداً للنازية والفاشية اللتان أضحيَتا في خبر كان، أي روسيا التي تعتبَر حالياً وريثة الإتحاد السوفيتي المنهار والذي كان قد شكـّل لنفسه منظومة الدول الإشتراكية أو بمعنى أدقّ حلف عسكري عُرِفَ بحلف وارسو الذي كان يترأسه السوفييت مع أتباعهم من الحكام في بلدان أوربا الشرقية التي جالتْ لعقودٍ عديدة في فلك القطب الشيوعي الذي أدخل المعمورة في خضم حرب باردة أدّت لحالة الركود وسط حيرة الأسرة الدولية بقيادة الأمريكان وباقي بلدان أوربا الغربية وخاصة تلك الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة.

أنْ داهمت ـ أي سبق لروسيا ـ ديار شعوب وبلدان شرق أوسطنا، على مركوب ترويجها الفوق إعتيادي لمدى إنسانية الفكر الأممي الذي شوّهته بنفسها قلباً وقالباً، ولم تستطع ترجمته بشكل عملي حتى في بلادها الشاسعة والمترامية الأطراف التي تفتـّـتتْ وإنقسمت على نفسها بفعل حركة المكاشفة التي قادها ميخائيل غورباتشوف (آخر رئيس سوفييتي) إلى دول مستقلة لا بل دويلات عديدة فضّـلت أن تنفصل عن حكومة موسكو المركزية وأن تغرّد خارج السرب الروسي الذي يبدو أنه كان وسيبقى يحنُّ إلى ماضيه الأمجادوي المبني أساساً على توتير المناخات الدولية وإدخالها في غياهب صراعات ثنائية قطبية مرعبة والإنحياز لمسلكية تجييش الخلافات والقضايا العالقة لا بل عسكـَرة حلولها بحجة توفير مستلزمات خلق توازن إستراتيجي عسكري بالضد من الغرب...!؟.  

ولعلّ المدلول الأكثر إيحاءً بأنّ المارد الروسي سيستفيق من سباته ويعاود الخروج من القمقم ليعربد دبه الأحمر في ديار الآخرين مرة أخرى...!؟، هو إقدام الجيش الأحمر على غزو أراضي جارتها جورجيا المستقلة والمعترف بها دولياً والمحسوبة على الأوربيين والأمريكان الداخلين على هذه الجبهة المحتدمة التي قد لا تهدأ في الأفق المنظور، عبر الخاصرة القوقازية التي باتت لا تخلو من ثمة مخاطر قد تهدد سلم تلك المنطقة والعالم.

وإن لم يكن الأمر كذلك فما هي دواعي لا بل الدافع الروسي من إنتهاكه لحرمة هذه الدولة المجاورة الفتية والحديثة الإستقلال عنها ؟!، وهل وراء هذه الأكمة ما وراءها من خلفيات قد تنجم عنها تداعيات لوجستية تفعل فعلها الإخلالي في التوازن أو اللاإستقرار المخيم على منطقتنا الشرق أوسطية برمتها ؟!، أم أنّ دائرة التناطح لن تتجاوز حدود بلاد القوقاز، ويا دار ما دخلك شرّ كما يُـقال؟!.

وبهذا الصدد أعتقد بأن الروس ينوون في هذه الجولة الإستفاقية أن يحركوا كافة أجندتهم وخاصة في الشرق الأوسط، وقد جاءت حربهم ضد جورجيا بداية لعرض عضلات إستباقية تمهيدية قبل الخوض في صراعات ضارية مع أطراف دولية كبيرة كأمريكا التي تواجه صعوبات شرق أوسطية جمة.

لأنّ القراءة الأولية لهذه الأحداث المعاركية القوقازية المطبوخة على نيران ملتهبة وليست ساخنة فحسب !!!، تشير إلى أنّ هنالك ثمة حكومات ودوائر إقليمية مستحكمة بمصائر شعوب بلدان منطقتنا، تجد منفعتها في تأزيم هذا الملف المتأهب للإنفجار، وترى بأنّ من مصلحتها أن تجلب الدب الروسي إلى كرومنا المحكومة شمولياً، ما لا يمكنهم تحقيقه إلا عبر التحرّك على شتى الصعد لتشجيع أو بالأحرى لتحريض روسيا بإتجاه إعداد العدّة لإستعادة دورها ومكانتها في صراعات منطقتنا بعد أنْ خرجت من أبوابها خائبة لتعود إليها من نوافذها منتصرة ومنصورة بمساعدة ربائبها الإقليميين الذين يبدو أنهم لن يكفّوا عن المراهنة بأنّ الروس سيأخذون بثأرهم من الأمريكان وحلفائهم...!؟، ما يوحي إلى أنّ منطقتنا قد تشهد أحلافاً جديدة تقودها روسيا التي يبدو أنها جادة في مسعى محاولة دوران عجلة التاريخ نحو الوراء أي لجهة تكرار دَحرَجَتنا إلى فخاخ المعاهدات والإتفاقيات الفوقية التي لطالما ألحقت مختلف الأضرار بشعوبنا الباحثة عن سبل تحررها من الإستبداد عبر دمقرطة بلدانها.

ومادامت روسيا غير مبالية بمطالب غالبية أطراف الأسرة الدولية ولا تزال تـُبقي في جورجيا ببعض من وحداتها العسكرية المتأهبة للإنقضاض على حكومة ومؤسسات البلد في الحين المناسب !!، وما دام مجلس النواب الروسي (الدوما) قد أعلن صراحة إعترافه بإستقلال جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا اللتان كانتا تحت السيطرة الجورجية قبل الحرب الأخيرة !!، وما دامت هنالك رشوحات خبرية تفيد بأنّ ثمة دول أخرى مثل سوريا وإيران وغيرهما قد تبارك وتعترف بهذا الإستقلال الذي يبدو أنّ حبل الإعتراف به سيبقى معلقاً على جرّار التوازنات الدولية التي قد تشهد خللاً ما، خاصة وأنّ فرنسا قد دعت مؤخراً وعاجلاً إلى ضرورة عقد اجتماع طارئ لزعماء الاتحاد الأوروبي لمناقشة الأزمة وإعادة النظر في علاقات الإتحاد والحلف الأطلسي مع حكومة موسكو ومَنْ يدور في فلكها.

فيبدو أنّ العلاقات (الروسية ـ الأمريكية) ستستاء لا بل قد تؤول من سيئ إلى أسوأ، لأنّ التطورات تدلّ بأنّ روسيا تنوي أن تمضي بلا تردد في رحلة تحديها للأمريكان ولباقي حلفائها في الأسرة الدولية...!؟، ما قد ينجم عن ذلك المنحى التحدياتي الخطير إنعكاسات سلبية على حاضر ومستقبل بلدان منطقتنا الغارقة في أعماق بحور مختلف التناقضات الداخلية المستعصية والإقليمية المتآمرة والدولية التي لا طائل عليها، وما قد يزيد من حظوظ وإحتمالات عودة الحرب الباردة التي لم تنعكس بأياماتها البائسة بأية منفعة على شعوبنا التي لطالما تعرّضتْ لبؤس ومشاق الوقوع بين مطرقة هذا العملاق الدولي وسندان ذاك الآخر !؟، في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون فيه اليوم لخيار تهدئة المشاكل والإحتكام للتوافق السياسي الديموقراطي بين مختلف المختلفين.

===========================

 

www.rekeftin.com -- الوفاق الصفحة الرئيسية 

اخبر صديقك: