المشهد العراقي والخيارات المطلوبة

نـوري بـريـمـو*

 

ما بين ضبابية الموقف الأمريكي حيال الأسافين التي يتم دقّها لعرقلة تطبيق الدستور العراقي الدائم...!؟، وبين التدخّلات اليائسة التي يقوم بها عدد من الدول الإقليمية الموضوعة تحت مجهر الأسرة الدولية التي تحاول منع أية دولة جارة تسعى لحشر أنفها في الشؤون الداخلية لهذا البلد الخارج لتوّهه من قبضة نظام البعث البائد...!؟، وبين تعنّت بعض الأطراف السياسية العراقية التي لا تزال تتعامل بحذر شديد مع إستحقاقات العملية السياسية الجارية في العراق الفيدرالي...!؟، وبين ما يقابل ذلك من الأداء الحكيم والصبر اللذان تتحلى بهما القيادة السياسية الكوردستانية المحتارة للغاية نظراً لإبتلائها بمجاورة ومجاراة بعضاً قليلاً من الشركاء الإقصائيين الذين يبدو أنهم قد ورثوا من العهود الماضية بعضاً من فيروسات الفكر التكفيري الأكثري الذي بات ينخر بشكل مخيف في هيكلية الجسد العراقي برمّته...!؟، وما بين هذه العقلية المنفتحة لهذا الشريك الإيجابي أو تلك العقلية المنغلقة لذاك الشريك السلبي...!؟.

تبقى هواجس ومخاوف كافة العراقيين وخاصة أبناء شعب إقليم كوردستان العراق الفيدرالي على حاضرهم ومصيرهم واردة وكثيرة ومشروعة...، ما لم يتم وضع النقاط على الحروف بشكل توافقي متبادل ما بين مختلف الفرقاء المعنيَين معاً بشأن فدرَلة العراق عبر تطبيق دستوره، وأخص بالذكر هنا أؤلائك اللاعبين الأساسيين المتفاعِلَين معاً على حدٍّ سواء في بوتقة المعادلة السياسية العراقية الراهنة...!؟، وما لم يُراجع كل طرف وجهة نظره مما يجري بروحية مكاشفاتية في مجمل علاقاته وحساباته وتحسباته وأجندته بإتجاه التأسيس السليم لوضع أسس إستكمال بناء عراق ديموقراطي فيدرالي موحّد لا بديل عنه في هذا الراهن العراقي المحفوف بمختلف المخاطر والمجاهيل.

فالعراق الحالي الغارق وسط تأثيرات ومفاعيل مختلف المراهنات الداخلية والإقليمية والطائفية...، قد بات حاضره لا بل ومستقبله أيضاً مرهونَين بمدى جدية تعامل أصحاب المصلحة الحقيقية ـ أي أهل العراق ـ مع تداعيات الصراع الدائر بحديّة لا مثيل لها حول التخوم من كافة الإتجاهات والسموت والمناحي...!؟، في حين يمكن القول بأنه لا يزال بالوسع ـ إن شاءت القوى الحية في البلد ـ الإستفادة من عامل الوقت شريطة أنْ تتخلّى تلك القوى عن بعض رهاناتها الخاطئة التي قد تكون مبنية على منطق المحاصصة الميكانيكية، وأن تؤمن بمبدأ الشراكة السياسية، وأن تنفتح على غيرها من المكوّنات ـ القومية أو الدينية أو الطائفية ـ المقتنعة بأنّ المصالحة الداخلية تبقى تشكل المدخل الأسلم لتناول أي ملف عالق، وأن لا تتهرب من إنتهاج التعامل العقلاني الذي قد يقي البلد من مخاطر الإنسياب إلى مستنقع عنفي قد يغرق فيه الجميع، وأن لا يستقوي أي شريك بأي تفوّق ذاتي من أي نوع كان لأنّ هكذا إستقواء قد يشكل نوعاً من التهديد للسلم الأهلي، وأخيراً وليس آخراً أن يحتكم جميع العراقيين إلى جادة الصواب الديمقراطي التي ينبغي أن تتحلّى بها أية جهة تنوي إعادة الأمن والإستقرار والإعمار للبلد.

وللعلم فإنّ الشارع الكوردي في المناطق الكوردستانية المعرّبة ـ أي المشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي ـ قد بات مُحتَقَناً وغارقاً في بحور دماء أبنائه الذين يُقتَلون على الهوية...!؟، قد ينفذ صبره وقد لا يبقى ينتظر يوم الفرج الموعود أي يوم تطبيق الدستور في مناطقهم الضائعة في غياهب الوعود وبين حانة ومانة...كما يقال!؟، إذ لا تستطيع أية جهة كانت  أن تضمن ديمومة هذا الهدوء ـ التحسّب ـ النسبي المخيّم الآن فيها، حيث أنّ ما يجري في تلك المناطق التي طال أمد صبرها هو ترقبٌ وحذرٌ ممزوجين بمختلف الاحتمالات والمراهنات والمفاجئات، وهو ليس كما قد يعتبره البعض خوفاً من أية جهة أو نسياناً للمظالم القومية التي لطالما لحقت بالكورد هناك عبر العهود الماضية.

ورغم تعنّت هذا الطرف أو تلكؤ ذاك...!؟، فإن القيادة السياسية الكوردستانية التي تعتبر نفسها شريكاً أصيلاً في تكوين العراق وضلعاً أساسياً في مثلث هندسة العملية السياسية الجارية التي من شأنها إنقاذ البلد من مختلف المحن...، ستبقى ملتزمة بالخطاب السياسي الإيجابي والحوار الحضاري والخيار الديموقراطي مع كافة الشركاء، وستبقى تنبذ أساليب العنف لحل قضيتها القومية التي تراها منوطةً بدمقرطة العراق وفدرلته...، مع تحفظها الطبيعي وإحتفاظها الإحترازي بحقّ إختيارها للخيار الكوردي الفائز...!؟، ذلك الخيار الذي يشترط وضع المصلحة الكوردستانية في أولويات شروط الإنخراط الكوردي في أي حلف أو جبهة مع أي فريق عراقي آخر...!؟، والذي ـ أي الخيار الفائز ـ سيبقى خياراً مشروعاً ومباحاً وفي وارد الإحتمال والحسبان والأخذ به حين اللزوم، أي حينما لا تحتكم الأطراف المقابلة إلى الدستور العراقي المستفتى عليه والمبني على مبدأ التعددية والشراكة وإحترام الحقيقة والأمر الواقع...!؟.

============================

www.rekeftin.com -- الوفاق الصفحة الرئيسية 

اخبر صديقك: