|
تركيا والتاريخ والدوران في فلك الأطماع نـوري بـريـمـو ليس من قبيل الخوض في التاريخ لأنني لست أكاديميا في هذا المجال…، لكنْ بقصد البحث والتعريف لا بل التذكير ببعض النقاط السوداء في غياهب الخلافة العثمانية التي دامت سلطنـتها على منطقتنا حوالي خمسمائة سنة كبيسة ومكتظة بشتى أنواع الغزوات الجندرماتية والمظالم الإنسانية والتخلف المدقع والمجاعات الجماعية التي كانت تقصم ظهر الناس في حالتي الحرب والسلم…، فمنذ الاتفاقية التي تم إبرامها على أثر معركة جالديران 1514 م، التي تناطح فيها العثمانيون بالضد من الصفويين وانتصروا عليهم ووضعوا أسس لا بل ثبّتوا أركان إمبراطوريتهم الغاشمة وحتى اليوم لم تفلت أية قومية أو ملـّة أو دين أو مذهب من شرور سلاطين بني عثمان الذين طغوا على هذه البلدان من مشارقها حتى مغاربها بلغة السيوف والبنادق والزنازين مع ضرورة الانتباه إلى أنّ عقوبة كل مَنْ كان لا يوالي الوالي هي الخازوق أو الكرسي السلطاني الذي كان ينقلب على السجين في حين غرّة إلى البحر ليصبح فيما بعد مائدة مفتوحة للأسماك والحيتان ولباقي العوالق والسوابح...!؟، أما بالنسبة لعقوبات زوجات الرجال المتمرّدين على أولي الأمر فحدّث ولا حرج وقد تفـنّن في تعذيبهن جلاوذة مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك الذي أمر جندرمته ببقر بطون النساء الأرمن والكورد والعرب وخاصة الحاملات منهن للأجنـّة كي لا تلـِدْنَ أجيالاً غير تركية قد تعادي الطورانية أو قد تطير خارج سرب التتريك الذي كان وسيبقى طبعاً غريباً وغازياً لأهالي هذه البلدان المبتلية بوقوعها في بليـّة جيوسياسيا مجاورتها لتركيا. ولعلّ تاريخ تركيا الحديث المبني على القدامة بمختلف براثنها...!؟، لهو شاهد حي على مدى جبروت حكمهم "القره قوشي" السيئ السيط والذي سمعنا عنه ـ نحن أجيال الكورد والعرب والفرس وغيرنا ـ الكثير من القصص الحقيقية المأساوية التي كانت تحكيها لنا جداتنا اللواتي كنّ قد اكتوين بنيران ملاحقة "الجاويش" التركي ودَرَكـِه لأبنائهنّ الذكور أي لآبائنا وأجدادنا اللذين كان الإنكشاريون يجرجرونهم بالإكراه صوب جبهاتهم المعاركية المفتوحة ضد كافة جوارهم على إمتداد تخوم مملكتهم التي كانت منفرجة المساحات ومترامية الأطراف قديما والتي أمست دويلة محدودة المساحة ومقصوصة الأجنحة حديثاً...!؟. أما بالنسبة لسيرة تركيا الحالية والتي هي أخلاقية جائرة مستـَنسَخة من النمطية القره قوشية ذاتها تجاه جيرانها...!؟، فهي أيضاً شاهد حي آخر يشهد على أنّ هؤلاء الأحفاد الأيتام قد كانوا ويبدو أنهم لا يزالون يلفـّون ويدورون في دوائر وفلك العنف حينما يحلمون باستعادة أمجادهم العثمانية العقيمة التي لم تنجب يوماً سوى الآهات والويلات للآخرين اللذين قابلوهم على الدوام بالطيب والحُسْنى...، فكلما دقّ الكوز بالجرّة أي كلما اشتدت عليهم ضائقاتهم الذاتية وتفاقمت أزماتهم الداخلية يلجئون لتصديرها بمختلف الذرائع والإلتواءات الثعبانية صوب الخارج كما فعلوها مثلاً إبّان احتلالهم لقبرص اليونانية ومحاربة شعب كوردستان تركيا وغيرهما. لكن صيرورة التطور البشري أثبتت بجلاء بأنّ التاريخ لن يكرّر نفسه مهما حاولت قوى العطالة إدارة عجلته نحو الوراء…!؟، لأنّ رحى التطور كانت وستبقى وسيلة قادرة بلا شك على أن تهرُصَ كل من يجنح عن المألوف ويسير بعكس التيار ويضع الأسافين في طريق التحضـّر والعصرَنة...، وللعلم فإنّ الحراك الديمقراطي اللاعنفي الذي تشهده كثير من بلدان المعمورة بالترافق مع التقدم المعرفي المجتمعي الذي تحرزه البشرية هنا وهناك وفي هذا المجال الحيوي أو ذاك…، هو الخيار الطبيعي الكفيل والأكثر مقدرة على الوقوف في وجه طغاة هذه الدنيا التي لطالما عانت وتعاني من طبائع استبداد مختلف الدوائر الجائرة…، وهو العامل الحيوي الحاسم لحسم الصراع الدائر بين المعتدين من جهة والمعتدى عليهم من جهة أخرى. وبناء عليه فإن التصعيد التركي الأخير الذي إستهدف إقليم كوردستان العراق الآمن الذي أعلنت حكومته صراحة بأنها منهمكة حالياً في إعادة إعمار ما هدّمه البعثيون ماضياً وأنها منشغلة وليس لديها لا الوقت ولا الاستعداد ولا الرغبة بالدخول كطرف في أية لعبة إقليمية...!؟، وأنها لا تضمر أية روحية عدائية لأية جهة أو أية دولة مجاورة وخاصة لتركيا رغم أنها تغتصب ـ دون أي وجه حق ـ حقوق شعبنا في جزء كوردستاني هام…، هو ـ أي التصعيد التركي ـ مداهمة خطيرة للديار الكوردية لكنها لن تثني من عزيمة القيادة السياسية الكوردستانية الماضية قدماً في أداء مهامها وخياراتها وأولوياتها على طريق إستكمال مسيرتها الحديثة عبر الانشغال بشؤون الإقليم الداخلية وبشأن إنجاح العملية السياسية الجارية في العراق الديموقراطي الفدرالي الموحد…، وفي هذا المجال لا بد من التأكيد بأنّ رئاسة وحكومة الإقليم سوف لن تتخلى عن خيارها الديموقراطي بصدد أية قضية ولن ترد على أية فقاعة دخيلة من شأنها تعكير صفوة المناخات السياسية الإيجابية القائمة حالياً والمتلائمة مع المصلحة الكوردستانية التي هي جزء لا يتجزأ من المصلحة العامة للعراق الجديد الذي تعرّض ولا يزال يتعرّض لشتى المؤامرات الإقليمية، والتي أي ـ تلك المصلحة ـ تشترك بقواسم كثيرة مع مصلحة باقي شعوب بلداننا الشرق أوسطية المبتلية منها بأنظمة شمولية لا ترحم مواطنيها. ولمـّا كان الإحتكام لمنطق وضرورات الإستفادة من العبَر والدروس المريرة التي مرّ ويمرّ بها شعب كوردستان والعراق هو وجوب الإحتكام للحكمة بعينها...!؟، فمن الطبيعي جداً أن تكون القيادة السياسية الكوردستانية التي لطالما أنهكتها الظروف الذاتية والموضوعية قد اتعظت واستفادت من تجاربها وتجارب غيرها وبالتالي يصبح من المؤكد بأنها ستنأى بنفسها وبشعبها عن المشاكل وسوف لن تراودها أية أفكار أو ردود أفعال انعكاسية قد تقودها آنياً أو لاحقاً صوب التناطح ضد أية جهة إقليمية مهما كانت متحاملة على الكورد والقضية الكوردية...!؟، ولذلك وجدنا كيف أنّ القيادة الكوردستانية قد أبدت إستعدادها وهي تلتقي حالياً مع الجانب التركي لحل المشاكل بشكل سلمي. بقي أنْ نؤكد للجميع بأنّ الجنوح عن العقلانية في تناول الملفات العالقة والتهرب من إنتهاج لغة الحوار السياسي هو سلوك هدام ومسيء لعلاقات حسن الجوار وهو منحى سرابي بائس ولن يجدي نفعاً لأحد ولن يجلب لشعوبنا المتجاورة عبر التاريخ سوى المزيد من الأذية والأضرار…، وأنْ نقول أيضاً لكل المعنيين باتخاذ قرارات السلم والحرب في منطقتنا وخاصة لجنرالات الجيش المنسحب لتوّه من إقليم كوردستان العراق الذي يعني بالنسبة لهم "ولاية الموصل" التي يعتبرونها حلمهم الحاضر والغائب في آن واحد وفي الوقت الذي باتت فيه سراباً ليس إلا...!؟، وأنْ نذكـّرهم بأنه ليس باستطاعة أحد أن يعيد عجلة التاريخ إلى الخلف…!؟، ما يعني أن عهد الأستعمار العثماني البائد قد ولـّى بدون رجعة...!؟، فهل من سميع تركي لهكذا أنشودة سلام كوردية...؟!. =========================================
|