سوريا ما بين التسوية والحرب

جهاد صالح

 لم يعد أمام القيادة السورية سوى فرصة أخيرة قد تكون هي العلاج الوحيد لأزمتها التي بدأت تتبلور نحو النهايات والمسارات نفسها التي شهدناها تجاه نظام صدام السابق ما قبل حرب التحرير، والفرصة السورية أضحت في الطرف الإسرائيلي مع حكومة أولمرت التي ترى سوريا فيها نافذة أمل وبقعة ضوء تنقذها في اللحظة الأخيرة؟
فسوريا التي كانت تمارس سياساتها الخارجية من موقف الطرف القوي المتحكم بالمنطقة وأمنها، سواء في العراق أو لبنان أو فلسطين وسابقاً في تركيا، تعيش هذه الأيام كوابيس وهواجس تهدد مصيرها ليس كنظام فحسب، بل كعائلة حاكمة بالحديد والنار رغماً عن إرادة الشعب السوري. فنتيجة الحقب الطويلة من القمع والاستبداد بحق الشعب السوري، ومن ثم الاحتلال البعثي لدولة لبنان لعقود طويلة وتهميش لبنان وطناً وشعباً، وتحويله لمستنقع ضحل يمنع اللبنانيين من ممارسة حقهم في الحرية والاستقلال والسيادة، وذلك كعقاب لهم لإرادتهم في الطموح نحو تأسيس لبنان الواحد المستقل، وفقدان نظام الأسد لحديقته الخلفية والاقتصادية، والتي ستحمل نحو سوريا ثقافات من الحريات والديموقراطية والتغيير يخشاها النظام السوري ويقمع الفكرة لمجرد الفكرة نفسها؟.
السياسات السورية لم تتسم سوى بالجنون والنرجسية، فكانت من نتيجتها عزلة داخلية وإقليمية ودولية، ومحكمة دولية فتحت أبوابها أمام المسؤولين السوريين لمحاسبتهم عن جرائم ارتكبوها بحق لبنان وقياداته، وقد تطال الرقم الأعلى في سلسلة الأرقام السلطوية السورية، وقد تكون بداية لفتح باب المحاسبة الدولية لجميع جرائم حكم "البعث" بحق السوريين ( مجزرة حماه ـ تدمرـ قامشلي ـ نروزـ قضية المفقودين في السجون). أصبحت الأصوات الدولية تتعالى وتتحدث في الشؤون الداخلية وملف انتهاكات حقوق الإنسان داخل سوريا، وتبنيهم لقوى المعارضة السورية ولو من الجانب المعنوي والأخلاقي، وبات الموقف أكثر وضوحاً وأعطى دفعاً معنوياً للحراك السياسي المعارض داخل سوريا بعد ترحيب الرئيس بوش بالمؤتمر الوطني لإعلان دمشق واعتباره معبّراً عن إرادة الشعب السوري التوّاق للحرية والديموقراطية، والإدانة الأميركية الشديدة لمجزرة "نروز" في القامشلي بحق الأكراد، واستقباله لمعارضين سوريين في البيت الأبيض.
العقل السوري الاستبدادي ما زال يحاول أن يقنع نفسه أن باستطاعته التحكم بخيوط اللعبة، ورهن مصير لبنان بدمشق عبر حلفائه من "حزب الله" وغيرهم، وبث الفوضى داخل العراق من خلال تصدير الإرهاب الإصولي، واحتوائه لقيادات حماس وتوجيه المنظمات الفلسطينية كقنابل موقوتة تنفذ رغباته في كل لحظة يشعر نظام دمشق أنه أصبح في خطر؟
لكن في هذه المرة لم تسلم العقلية السورية من شر أعمالها وأدائها الأرعن، فقد أحرقت أصابعها داخل المحيط العربي.. وتحّولت لمحور شر عربياً ودولياً، ولم يعد ينفعها شعارات الممانعة والعروبة وقلعة الصمود، وبقيت تقف وحيدة في مواجهة الشرعيتين العربية والدولية وبخاصة في موضوع لبنان والاستحقاق الرئاسي.
لم يكن في حسابات بشار الأسد والشرع والمعلم أن تسير الأمور بهذه السرعة، ففي حين كانوا يتصرفون ويخططون باطمئنانية لا مثيل لها، وأنهم الطرف الاستراتيجي والمعبر الوحيد لجميع الحلول، ولهذا سيرضخ الكلّ لهم وبما يتمنون، فكانت المفاجآت تتوالى كل يوم، وشعر النظام بنيران قادمة ستحرق بيادرهم نهائياً، ولن يكون هناك ماء في جعبتهم لإطفاء الحريق الكبير(ألا) وهو مصير النظام نفسه؟
ومن هنا وجدنا الأسد يهرول نحو الحليف الإسرائيلي، عبر الوسيط التركي، وتحت دواعي سلام بلا شروط، ومن دون اعتبار لحلفائه من نظام الملالي و"حزب الله" وحماس، في فصل للمسار الأسدي عن المسارات كلها؟ وهنا نريد جواباً من هؤلاء الذين جعلوا من أنفسهم وقوداً وحطباً في مدفأة الحكم السوري، وعناصر تحت الطلب في كل معركة ماضية وقادمة؟
لكن يبدو أن الإدارة الأميركية ترفض هذا السلام التزاوجي، وكان أول رد لها تفجير قضية المفاعل النووي السوري واعتباره خطيراً جداً، ويأتي هذا الرد الأميركي كمتمم لمواقفها الشديدة في إبرام المحكمة الدولية، وجر عائلة الأسد نفسها إليها إن اقتضى الأمر(حسب تعبير رايس)؟
طبعاً الصورة بدأت تتضح أكثر ومصير المنطقة كلها متوقف على مصير نظام الأسد وسياساته، وأعتقد أن العرب والمجتمع الدولي وجدوا الحل في وضع النظام الاستبدادي في سوريا أمام خيارين ومن دون شروط، وهما الرضوخ النهائي للقرارات والرغبات الإقليمية والدولية، أو سيكون وجوده نفسه آيلاً للسقوط وفق ما تتطلبه المرحلة والموقف. ومعالجة النظام في سوريا أهون من معالجة نظام ولاية الفقيه المتقن للعبة السياسية، وما شجع على ذلك، فقدان الثقة بين سوريا و"حزب الله" بعد اغتيال مغنية في قلب دمشق عاصمة الأمن والأمان، وأيضاً حدوث شرخ داخل التحالف السوري الإيراني بعد هذه الحادثة، والقناعة الإيرانية أن دمشق قد جنت على نفسها ولا يمكن لطهران أن تحترق بنيران غبائها وجنونها؟
نظام الأسد أخيراً بدأ يوحي للمراقب والمهتم أنه يعيش معركته الأخيرة، ولهذا يقف أمام الأبواب الإسرائيلية التي أسعفته بـ(الفيتو ضد إسقاط نظام البعث) في وجه كل مبادرة أميركية قد تنحى بهذا الاتجاه، وبث شعور طمأنينة لدمشق، والقبول بمفاوضات رسمية حول السلام وإعادة الجولان، لكن الإسرائيليين يتقنون فن التلاعب السياسي، وهم سيأخذون كل شيء من دمشق قبل أن يمنحوها أي شيء. كونها الطرف الضعيف المذعن للشروط الإسرائيلية؟.
والخيار الآخر للنظام قد تكون حرباً يشعلها هو في لبنان مع "حزب الله" لإحداث بلبلة في المنطقة، وقد سبق للقيادة السورية أن بشّرت بها كسياسة لبث الفوضى من حولها، أو تكون حرباً تقودها إما إسرائيل أو أميركا، ولسوريا النصيب الأكبر منها كونها الأضعف عسكرياً وسياسياً وداخلياً، بخلاف إيران القوية والمرنة والبراغماتية في سياساتها.
اللعبة خرجت من طور التحكم السوري وتحول السوري من لاعب محترف وشرير إلى مدافع ضعيف قد يفقد الملعب والمرمى ويصبح خارج اللعبة من أساسها.
(*) صحافي سوري

 

 

www.rekeftin.com -- الوفاق الصفحة الرئيسية 

اخبر صديقك: