ظاهرة العنف في تركيا لمن يعلم ولا يعلم ؟

عامر .خ . مراد

 

تبدو تركيا في ظاهرها وللوهلة الأولى من الدول الفتية والسائرة بشكل لافت  نحو مصاف الدول المتقدمة في  معظم المجالات وتبدو وكإنها ظاهراً تسلك ديمقراطية التي  أصبحت موضع إعجاب وإبهار وينظر إليها بهذه الرؤية  كل من قرأ أو سمع أو شاهد الإمبراطورية التي تنام على أخطاء كثيرة  كرمز ومثال تسعى الاحتذاء به متناسين بذلك الغوص في أعماق المجتمع التركي الممزق داخليا والذي يعاني من الأزمات والمشاكل ما لا حصر لها ومن العوائق مما يجعل هذا المجتمع عاجزا عن السير قدما دون انهيارات وتراجع إلى الوراء بين الحين والآخر وربما كانت ظاهرة العنف هي الظاهرة الأكثر من ملفتة  والتي يمكن أن نرى عبرها ومن خلالها جوهر الحالة التركية ذلك أن هذا العنف  نابع من أسباب لها عمقها في جذور هذا المجتمع وظاهرة تنبع  من خضم الأزمات الحقيقية في تركيا وهي بالتأكيد كثيرة جداً يتجاهلها الإعلامي الرسمي ووسائل الإعلام التي تقف في الجهة المقابلة ؟

بعض العنف في سلسلة تجاوزات كثيرة يعيشها الترك ويفرضونها على الآخرين :

تتعدد أشكال العنف وتتشابك لتكون نواتها الأولى  الأسرة(يبدأ  العنف تجاه المرأة بشكل صنفت تركيا من الدول التي تعاني فيها المرأة من العنف المجتمعي والنفسي والجسدي ,وظاهرة تشرد الأطفال واختطافهم التي استشرت بشكل لافت في السنوات الأخيرة ونقص التعليم وبخاصة في قرى المناطق الجنوبية الشرقية حيث سياسة الإفقار والتجهيل واستشراء ظاهرة التسلح التي تبدأ مبكراً لا بل مبكرا جدا فالبداية من  الوسط الطفو لي وأشارت الكثير من الدراسات الموثقة   على تفشي ظاهرة لعبة السلاح وخاصة في مناطق الكرد  حيث تأتي نسبة المبيعات من هذا النوع من الألعاب في المقدمة وتمر بامتلاك الطالب للسلاح الأبيض في المدارس وتسليح القرويين البسطاء وتنتهي أو لا تنتهي بالتهديد للجوار بالعمليات العسكرية كتهديد سوريا سابقا والعراق الآن واليونان بين الحين والآخر  زرع الطائفية فتبدأ بضرب الأكراد وتمر باغتيالات الأرمن وتنتهي بالمقاهي الطائفية في المدن الكبيرة حيث يسمح بارتياد المشتركين فقط من طائفة معينة دون الآخرين وهكذا تبدو الصورة العفنة لتركيا تحظى بمناظر خلابة لجبال تسحر الزائر والناظر وترهب العائش والساكن في حدودها وعلى مضائقها الشهيرة في البوسفور والدردنيل نفس العنف يستمر وعلى نطاق أوسع وأكثر تأثيراً هناك عنف تمارس فيه الدولة التركية ما يمكن استعماله وما لا يسمح به أيضا  لتثبت قبضتها الحديدية ويتمثل بإرهاب   الطوائف ومنعهم من ممارسة شعائرهم وطقوسهم الخاصة بهم   وبخاصة العلويين منهم وإعدادهم تتجاوز مئات الآلاف  والعنف ضد  الاثنيات والقوميات والأقليات المتعددة التي تعيش منذ آلاف السنين في تلك الأرض كالكرد الذين اثبت التاريخ أسبقية وجودهم قبل الترك هناك عنف  في المدرسة يتأجج يوما بعد يوم وفي الأسواق وفي كل مكان يمكنك تصوره ويعزى سبب كل ذلك إلى  سيطرة العسكر على مقاليد الحكم وتفردهم من حيث الجوهر بزمام الأمور والتظاهر بالابتعاد عن مصدر القرار ومراكز صنعه حيث تلعب هذه المؤسسة الدور الأساسي في نشر مبادئ العنف في الجمهورية الخاوية من كل مضمون وديمقراطية وتعددية فتركية لونها الأوحد  هي  البزة العسكرية  أنا وأتاتورك ولا أحد آخر

القليل في التالي حول بعض ممارسات العسكر

بدأت شعارات العسكر  في حروب التحرير والفتح والذود عن الوطن كما ادعت وتقصد هذه المؤسسة الحديدية  محاربة كل من يتفوه غير شعار كلنا أتراك ديننا العلمانية رسولنا أتاتورك  وخلفت بسياستها هذه, عنف استمرت منذ ثلاثة عقود لم تخلف سوى الخراب للجميع  اتبع العسكر سياسة الأرض المحروقة أحرقت القرى شردت  آلاف السكان من مناطق سكناهم, ترعى المافيا والإرهاب وتسمح ل أفلام العنف المختارة من السينما التركية أو العالمية بالتداول على نطاق واسع  وتمنع بث مسلسل يدعوا لحوار الأقليات  وحرية الآخرين  لتثبت إن الترك دولة العسكر والقوة هي الحكم الفيصل في أي موقف ونزاع  هي سياسة المؤسسة العسكرية  التي خلفت العنف الكبير و المستشري في ضواحي وحواري وأزقة اسطنبول مدينة العنف التركية كما يصفها الكثير من الكتاب  ويمضي الإعلام بدوره محاصرا بقرارات من جنرالات تركيا  لا يخلو من مضايقات للصحافة الحرة فهناك أطراف تسمي تركية بدولة قمع الإعلام وتشتمل ظاهرة القمع الإعلامي  على ميزة العنف تجاه الإعلام الحر والتقدمي كمنع صحف من النشر صحيفة كوندم) ومحاولة منع تلفزيون roj .TV من البث والضغط على الدول التي تبث منها  نفس الفضائية وتحاصر الصحفيين بمضايقتهم فيما لو اجتازوا الخطوط المرسومة لهم من قبل الأمن التركي الذي لم يتوانى عن الاعتقال والاستجواب وحتى بعض التصفيات الجسدية وتمضي لتمنع الكتاب التقدمي من الظهور في المجالات المفترض تواجدهم فيها وتفتقر تركيا إلى المكتبات العامة والمسارح والمراكز الثقافية الوطنية أو حتى الأجنبية وكمثال على ذلك لا يوجد في اسطنبول أية مراكز ثقافية عربية سوى مركز ثقافي مصري وحيد وما زال في عداد التأسيس و التجهيز

وماذا بعد

فإذا كانت الإعلاميات العالمية قد امتدحت واثنت على الديمقراطية التركية والتي قالت بان الانتخابات البرلمانية الأخيرة قد أثبتتها فان تلك الوسائل الإعلامية قد تجاهلت الخوض في دراسة تلك الظاهرة أو ذلك المظهر المزيف للديمقراطية في تلك الانتخابات والذي لا يحمل أي معنى  هي تركيا نفسها التي اعتقلت نواب الأكراد حينما قرروا القسم بلغتهم الأم ولهم الحق في ذلك ونفس الحق تجاهله الدستور التركي الذي يلغي وجود عشرين مليون مواطن كردي تركي يعيشون على أرضهم التاريخية .

قبل أي  شيء لابد للمجتمع أن يتعلم ممارسة الديمقراطية ليمارسها على حقيقتها ويروج لها بالتالي في الوسيلة الإعلامية التي تشاء هي تركيا المنادية بالديمقراطية و نسبة الأمية والجهل والبطالة المقنعة مستشرية وإذا كانت الخيارات الديمقراطية محصورة في مجموعة وهي من الممنوعات  على فئات أخرى أية ديمقراطية تلك ,  وإذا كانت المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية تعيش حالة من الفوضى والاضطراب والجندي التركي يسرح ويمرح هناك وإذا كان حراس القرى يجبرون الناس على الإدلاء بأصواتهم لمرشح دون آخر وإذا كانت الميزانية لعملية الحملة الانتخابية محصورة بالمدعومين من قبل العسكر  وإذا تم استبعاد البعض ومنعه من المشاركة نتيجة كونه محكوم سابقا  وإذا كانت عشرات الصناديق قد فقدت أثناء عملية النقل وإذا كانت قرى كثيرة قد افتقدت إلى صناديق اقتراع وإذا تم اغتيال احد المرشحين وإذا هدد البعض للتنحي وإذا كانت الحملة مليئة بالصور المسيئة للإنسانية ولمظاهر الديمقراطية التي يتشدق بها ورثة عثمان وأرطغرل   كحمل حبل المشنقة ورميه إلى الجمهور تهديدا ووعيدا لفئات أخرى وإذا كان زعيم العشيرة يجبر بسلطته كل فرد في العشيرة على الإدلاء بصوته لفلان وإذا كانت ظاهرة الهجرة القسرية سيدة حال آلاف الأكراد في المدن التركية حيث تؤدي هذه المسالة إلى عدم قدرتهم على الإدلاء بأصواتهم في تلك المدن وإذا اعتصمت قرى وقاطعت الانتخابات لتقصير البلديات في تخديم قراهم وبلدياتهم كظواهر مرافقة للانتخابات فأين تكمن تلك الديمقراطية التي زعم الكثير بان الشعب التركي قد مارسها وبالتالي السؤال الأهم أين وعند من يكمن الخطأ

حقاً أين يكمن الخطأ ؟؟

الخلل في توازن الذهنية الاجتماعية التركية حيث تبدأ منابع هذه الذهنية من الجغرافيا المزدوجة للدولة التركية الموزعة بين قارتي  آسيا وأوربا  لتكون عاملاً مؤثراً على طبيعة الشعب التركي  المنقسم علة نفسه والتواق إلى أمرين أساسيين إما الولوج  إلى رحم الاتحاد الأوربي سواء عن رغبة في التطور ثقافيا وحقوقيا أو الرغبة في تحسين الحالة المعيشية وهنا يتدخل جنرالات العلمانية وضباط الجيش  وتصطدم  الرغبة عندهم بالممانعة العسكرية للضباط الذين يحاولون بكل القوة  ضرب هذا المشروع و الانجازات المحققة عرض الحائط كافتعال أزمات هي ستكون من العوائق المؤثرة على انضمام تركيا للاتحاد الأوربي  كجر الجيش إلى محاولة اجتياح كردستان العراق مؤخرا  بحجة ضرب قواعد حزب العمال الكردستاني وهي لا تستطيع منذ عقود قتل خلية واحدة من تلك العناصر في جبالها هذه العقلية التركية التي لم تفهم سوى لغة التهديد والوعيد وكذلك فعلتها مع دول مجاورة في نفس القضية حينما طالبت بتسليم زعيم حزب العمال الكردستاني عبدا لله أوجلان  ويحاول العسكر نفسهم جر حكومة اردوغان ذات الصبغة الإسلامية  والضغط عليها لتدلي بتصريحات معادية للغرب وأمريكا المعارضتين لهذا التدخل ورغبة العسكر في كسب الرأي العام التركي لجهة هذا التدخل وما ستحصل عليه هذه الزمرة العسكرية من إرباح طائلة لأنانياتها وهي تسعى بكل ذلك ضرب الديمقراطية التي يحاول نخبة من مثقفي وساسة الأتراك ممن شهد لهم بالاتزان والموضوعية في كل اقتراحاتهم وتحليلاتهم وحتى لا نتهم بالتحامل فما ذكرناه قد لا يساوي نقطة في بحر معاناة الناس ولكن يبقى مناصفة إن قرار البناء الذي يسعى إليه نخبة من خيرة الأتراك وساستها أمراً سهلاً ولكن تطبيقه يضرب بعرض الأزمات المفتعلة من قبل فئة لا ترضى إلا أن تكون تركية في الوراء دوماً

www.rekeftin.com -- الوفاق الصفحة الرئيسية 

اخبر صديقك: