|
طبّـقوا الدستور العراقي ويا دار ما دخلك شرّ نـوري بـريمـو
بالعودة إلى التاريخ نراه لم يخلُ في أية مرحلة من
حدوث إنقلابات متكررة على الضوابط والنظم المسيّرة للمجتمعات البشرية، إذ
واظبَ
يـُذكـَر بأنّ تلك الخروقات المتفرقة التي كانت وما تزال تطال الشرائع والدساتير والأنظمة والقوانين، قد إنعكست بشكل سلبي على حقوق الإنسان والأمم لجهة الإخلال بمعادلة التوازن بين الواجبات والإستحقاقات، ونجمَ وينجمُ عنها شرور لا حصر لأذيتها التي أُلحِقتْ وتـُلحَق بجميع شعوب وديانات ومذاهب هذه الدنيا التي لن تستقر أوضاعها ما لم يُصر إلى الإحتكام العقلاني لخيار بناء الدول العصرية الحديثة القادرة على إنصاف عموم مكوناتها البشرية عبر إحترام الدساتير المدنية فيها. وإن جئنا للحق وقرأنا صفحات الماضي بحيادية وتجرّد وحداثية، نجد بأنه لو تم تطبيق الشرائع السماوية بحذافيرها كما أُنْـزلـَت للرسل دون أي تحريف في القرآن الكريم أو الإنجيل المقدس أو التوراة أو الزبور أو غيرها من الصحف، لما غاص أدمييو هذا الكوكب العامر في هكذا صراعات دامية حدثت وتحدث على خلفية خرق بعض رجال الدين لأحكام وتعاليم دياناتهم التي حرّفوا طقوس عباداتها حسب أهوائهم وخدمة لمصالحهم الدنيوية وليس الدينية. وللعلم ليس في بلداننا الشرق أوسطية فحسب وإنما في عموم دول العالم، لا تـُداهم الشرور ديار السكان إلا عندما يتعدى أهل الحكم على الدستور أياً كان شكله ومضمونه وسواء أكان هذا الدستور المعمول به ديمقراطيا أم إستبداديا، حيث لا فرق فالخرق يبقى خرقاً مهما كانت الدواعي والأسباب والموجبات، ولعلّ خرق التشريعات سواءً أكانت وضعية أم آخروية هو أحد أبرز الأسباب التي أدت وتؤدي إلى غرق البلاد والعباد في دوامة المشكلات الداخلية. وبالقياس على ما سـَلفْ وبغض النظر عمّـا إذا كنا موفقين في هذا القياس أم لا، وبما أنّ معظم الدساتير التي شرّعها حكماء العصور قد تعرّضت للدّوس منْ قِبل طغاة القصور خدمة لأغراض شخصية أو قومية أو دينية أو مذهبية أو غيرها، فإن العلـّة الحقيقية تكمن في كيفية السماح لهؤلاء الإنقلابيين بإبطال الدساتير وتشويه روحيتها وفرض أنفسهم بالقوة وإعلان حالات الطوارئ والأحكام العرفية والتمترس وراء بعض الشعارات المغرضة الباغية لإركاع البشر وإبتلاع أخضر البلدان ويابسها والتربع على كرسي الحكم فيها...!؟. ومن باب تذكير المعنيين بالأمر وليس لتسعير التناطحات...، وفي الحالة العراقية المقبلة على المزيد من التأويلات الدستورية الناشبة تحت تأثير رزمة من الخلافات التي تفعل فعلها العراقيلي الناخر في جسد العملية السياسية المعطـّـلة تقريباً في هذه الأيام التي تمرّ حرجة على العراق الديمقراطي الفدرالي الموحّد، يدّعي البعض بأنّ المادة (140) من الدستور الخاصة بإعادة المناطق الكوردستانية المستقطعَة إلى كنف إقليم كوردستان الفدرالي، قد بَطلـَت وإنتهى مفعولها بالتقادم الزمني جرّاء عدة تسويفات تعمّدت إفتعالها دوائر شوفينية متربصة بالتجربة العراقية الإتحادية الحديثة طوراً ومنشأً والفريدة قلباً وقالباً في منطقتنا المبتلية بغالبية بقاعها بأنظمة إستبدادية تحكم بقوة الحديد والنار، رغم معرفة تلك الدوائر بأنه عندما يتم تعطيل أية مادة من الدستور العراقي الحالي فإنّ البلد برمته سيتعرّض للعطالة السياسية وستفقد الفدرلة معناها الإتحادي وجوهرها الديمقراطي، وبالتالي قد تدور عقارب ساعة بلاد الرافدين بعكس المسار الإتحادي الديمقراطي المتوخى والمنشود، وسيفقد العراق بوصلته شيئاً فشيئاً وسينحرف عن مساره الجديد الذي يستنجد بقواه الحية لتلتقي وتتوافق وتعمل بجد وإخلاص لإستكمال مهام بناء عراق العدل والدستور والتعددية والتعايش السلمي. في كل الحالات ورغم كثرة الإحتمالات وتردّي الأحوال مؤخراً في العراق على أثر المحاولة اليائسة التي أقدمت عليها تحويشة برلمانية محرَّضة سلبياً من قبل قوى قراصنية خفية تنشط خارج البرلمان وتستمد قوتها من أجندات إقليمية لاهمّ لها سوى وضع العصي في عجلات عراق اليوم، والتي خططت لتمرير ما يُسمّى بالقانون (24) السيء الصيت الصادر بغياب كتلة التحالف الكوردستاني وبهدف تغييب دور المكوّن الكوردي الأصيل الذي يُـعتبَر ثاني أكبر قومية رئيسية في البلد، وحرمانه من إستحقاقات ومكاسب عراق ما بعد التحرير... ليس بوسع المهتمين بالشأن العراقي سوى إسماع صوتهم لأشراف العراق ومناشدتهم عبر نداء: يا معشر العراقيين الأشراف طبقوا الدستور ويا دار ما دخلك شرّ...!، فقد أثبتت تجاربكم الذاتية التي كلفتكم التضحية بدماء أطهر الشهداء، أنكم لا تستطيعون إعادة المياه إلى مجاريها الطبيعية إلا إذا راجعتم أنفسكم وأعدتم حساباتكم وعملتم بصوابية الإحتكام للعقلانية والكف عن الإقصائية والإعتراف بالواقع الموجود وإحترام مبدأ التعددية السياسية والتنوّع القومي والتمازج الديني والإندماج المجتمعي والتوافق الديمقراطي الذي لا بديل عنه كسبيل كفيل ببناء نظام حكم لامركزي تعاضدي يتحمّل فيه الجميع (عرب وكورد وتركمان وكلدوآشور وغيرهم) أعباء وتبعات المسؤولية التاريخية في مسعى رسم حاضر ومستقبل آمن لأجيال العراق الحاضرة والقادمة. ====================================== مجلة الصوت الآخر: اسبوعية سياسية تصدر باللغة العربية في أربيل عاصمة إقليم كوردستان ـ العدد 208 ـ التاريخ 27 ـ 8 ـ 2008م
|